ابن عجيبة

132

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فيكون جمع غلاف ، كحجاب وحجب ، وكتاب وكتب ، ومعناه : قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك وكتابك . و ( قليلا ) صفة لمحذوف ؛ أي : فإيمانا قليلا ، أو عددا قليلا يؤمنون ، أو ظرف ؛ لأنه من صفة الأحيان ، والعامل فيه ما يليه ، و ( ما ) لتأكيد القلة ، أي : في قليل من الأحيان يؤمنون ، أو حال من الواو في ( يؤمنون ) أي : فيؤمنون في حال قلتهم . يقول الحق جل جلاله : قالت اليهود استهزاء بما تدعوهم إليه : قُلُوبُنا مغلفة ومغشاة فلا نفقه ما تقول ، أو أوعية للعلوم فلا تحتاج إلى علمك ، قال اللّه تعالى : بَلْ لا غطاء على قلوبهم حسا ، بل هي على الفطرة لكن لَعَنَهُمُ اللَّهُ وطردهم وخذلهم بسبب بِكُفْرِهِمْ فأبطل استعدادها للعلم ، فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ أي : فإيمانا قليلا يؤمنون كإيمانهم ببعض الكتاب ، أو فلا يؤمن إلا قليل منهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا أمر الدعاة إلى اللّه أهل الدنيا بذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع النفوس ، ليتأهلوا به لدخول حضرة القدوس ، أو أمروهم بخرق العوائد ، لتخرق لهم العوائد « 1 » ، أنفوا وعنفوا وقالوا : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ، فيقال لهم : بل سبق لكم من اللّه البعد والحرمان ، فأنكرتم أسباب الشهود والعيان ، لكن من سبقت له من اللّه العناية ، وهبّ عليه نسيم الهداية ، فلا تضره الجناية ، فقد يلتحق بالخصوص ، وإن كان من أعظم اللصوص ، وهو قليل بالنسبة إلى من جاهد نفسه في طلب السبيل ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً . ثم وبخهم ولعنهم على عدم الإيمان بالقرآن مع إقرارهم به قبل الإتيان ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 89 ] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) قلت : ( لمّا ) حرف وجود لوجود إذا وليها الماضي ، ولها شرط وجواب ، وهو هنا محذوف دل عليه جواب ( لما ) الثانية ، أي : ولما جاءهم كتاب من عند اللّه كفروا به ، أو ( لما ) الثانية تأكيد للأولى . والجواب : ( كفروا به ) ، أو فلما وجوابها جواب الأولى ، كقوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ . . . الآية ، و ( يستفتحون ) ينتصرون ، وفي الحديث : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين » ، الذين لا مال لهم .

--> ( 1 ) خرق العوائد الأولى هي خرق الحجب ، من غفلة وظلمة قلب ، وغير ذلك ، وقد يعنى بها الكرامات ، وخرق العوائد الثانية هي خرق ما تعودته النفس وألفته حتى صعب خروجها عنه ، ككثرة الأكل والشرب ، وحب الجاه والرئاسة والمدح .